مشكلات الشباب وكيفية علاجها… دكتور محمد عبد الله كوكو

47

لقد فرطنا في راس المال الحقيقي (الشباب) فخسرنا كل شئ…شبابنا اليوم بالملايين في بلاد المهجر وبعضهم يعاني الغربة والضياع….لماذا يهاجرون يوميا؟بعضهم يركب الصعب فتفترسه الحيتان في البحار وبعضهم يهلك في الصحاري والقفار ومن يصل منهم لا يجد العمل الذي يناسبه وبعضهم لا يجد عملا فيعاني الغربة والحرمان……ومن بالداخل ليسوا باحسن حالا من اخوانهم الذين هاجروا فنسبة العطالة فيهم مرتفعة والعطالة هي سبب كل العلل والامراض النفسية والاجتماعية ومن وجد وظيفة فان وظيفته لا توفر له مواصلاته .الى مكان عمله.فالمجتمع والدولة امام تحد كبير فلشباب هم أصحاب الهمّة والعطاء والتضحية وخدمة الدين والوطن عبر العصور؛ فهؤلاء فتية الكهف يقول عنهم القرآن: (اننهم فتية امنوا بربهم وزدناهم هدى)َ وإذا تأملنا تاريخ الإسلام لاحظنا أنّ كل من سبقوا بهمهم في مجالات التخصص المتعددة كانوا شبابًا.

وسلْ نَفْسَك: هل أخذَ يحيى -عليه السلام- الرسالة إلا وهو شاب؟ وهل رافقَ عيسى -عليه السلام- في رحلته إلا الشباب؟ وهل كان أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين ناصرُوا دعوتَهُ إلا شبابًا؟ بل حتى هل كان تقدم كثير من المجتمعات المعاصِرَة إلا من خلال شبابها؟

لأنَّ مرحلة الشباب هي تلك المرحلة التي تتوسط حياة الإنسان بين الطفولة والشيخوخة.. فهي مرحلة القوّة التي تتوسّط مرحلتي الضعف؛ قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54]. وتتميز تلك الفترة في حياة الإنسان بمزايا، منها: [العزيمة والإرادة الفتيّة، الأحلام والطموحات، النشاط والحيوية، حب الاستكشاف والمغامرة].. فهي الفترة الأطول زمنا، الأكثر عطاءً، الأعظم أثرا وتأثيرًا.

لقد اهملنا شبابنا وتركناهم فريسة لاعداء الدين والوطن فأخذوا يشغلونهم بالتفاهات ويغرقونهم في الشهوات ويسوقون في أذهانهم الشبهات، لا يملّون من محاولاتهم في إضلال شباب الأمّة ليقينهم أنه إذا استيقظ هذا المارد (الشباب) وعرف غاية وجوده، وانخلع من أهوائهم الزائفة كان لأمتنا الريادة.. وهم لا يريدون ذلك لنا على الإطلاق.. فهي أكثر فترة يعمد أعداء الأمة على السيطرة عليها فكريا وثقافيًّا وأخلاقيًّا، فصار غزو الغرب اليوم لمجتمعاتنا لا بالسلاح ؛ بل بالفكر والثقافة والأخلاق.. حتى أحاط بشبابنا عدة ظواهر، منها: (التقليد والموضة، ضعف الإقبال على العلم، تضييع الأوقات، التكبر على النصيحة). فلا بد أن نكون عونًا لشبابنا لا عليهم.

لأن الشباب هم سبيل نهضة أي أمة وتقدم أي وطن، ودورنا أن ننبه على هذا الدور المنوط بالشباب في واقعنا، فأعظم ثروات الشعوب في طاقات أبنائها، وسيرة المجتمعات العظيمة تتلخص في حياة عظمائها، وبمراجعة سريعة لعظماء وقادة الشعوب والأوطان نكتشف أنهم كانوا شبابا.. إذًا الشباب هم عماد أي بناء ارتفع وعلا شأنه؛ فلو صلُح حال شبابنا ضمنا بإذن المولى تجدد الحركة في الحياة، أما إذا غُيّب الشباب في غياهب الشبهات والشهوات والتفاهات فقل على الدنيا السلام

كما أن مرحلة الشباب هي أطول مرحلة عمرية من حيث السن، وهي أنشط مرحلة من حيث توقع العطاء والهمة.

لقد لاحظنا أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أوصى بالشباب خيرًا واعتنى بهم أيَّما عناية ووثق بهم وكلّفهم ووظّف طاقاتهم بصورة تحرج القيادات والزعامات في كل مكان،

 

ويتمثل دور الآباء والأمهات، والدعاة إلى الله تعالى، والمعلمين والمعلمات نحو الشباب والبنات في الآتي:

أولا: حسن التنشئة والتربية في سنّ الصغر أو الشباب (عقديا ببث اليقين في الله تعالى وأنّه الخالق القادر المتحكم في كونه، وتعبديًّا بتصحيح عبادته لربهم عزّ وجلّ، وسلوكيًّا بحسن توجيههم تربويا وأخلاقيا في كل جانب من جوانب الحياة كما كان يفعل نبينا الحبيب (صلى الله عليه وسلم)؛ فلقد كان رسولنا يحرص كثيرا على التربية المتكاملة للشباب “وجدناه عقديا يربي ابن عباس على عقيدة احفظ الله يحفظك.. ووجدناه تعبديا يشجع ابن عمر بقوله: نعم الرحل عبدالله لو كان يقوم من الليل.. ووجدناه صلى الله عليه وسلّم يشجعهم علميا بالدعاء لواحد منهم: اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل، ووجدناه ينشئهم على الأخلاق والقيم والذّوقيات الرفيعة الراقية كاحترام الكبير ومساعدة المحتاج، ووجدناه يتدرّب معهم تشجيعا لهم على القوة البدنية والجسدية، ووجدناه يربيهم نفسيا على الاتزان الانفعالي والتحمل عند الشدائد.. كما وجدناه يهتم بتنشئتهم على الإيجابية في الدعوة وإصلاح المجتمع” ومما ذكرته هنا ما هو إلا نذر يسير من كثير في منظومة التنشئة النبوية المتكاملة للشباب.. وهي التي خرّجت لنا أبطالا وقادة وعلماء وفاتحين..

ثانيًا: حُسْن توظيف طاقاتهم: لو نظرنا في سيرة حبيبنا القائد القدوة محمد النبي صلى الله عليه وسلم لوجدناه قد اهتم بالتوظيف الأمثل لطاقات شباب الأمة؛ فلم يهملها، ولم يقبل بإهمالها أو الرضا -حاشا وكلا- بأن تنشغل بالتفاهات عن الكمال والعظمة.. فها هو يوظف زيدا بن ثابت في موقع أهم من الجهاد في المعارك؛ فحرّكه ووظّفه في تعلم لغات الغرب؛ ليفهم عنهم ما يرسلون إليه.. وأجاد زيد وأحسن، بل وأجازه فيما هو أشرف في خدمة الدين -بناء على طاقته وهمته وقوته- في كتابة الوحي الشريف.. وما كان ذلك إلا لِمَا رآه النبي فيه من ذكاء ونجابة ونبوغ.. وكان نتيجة هذا التوظيف أنّ زيدًا -رحمه الله- جمع القرآن في عهد الخليفة أبي بكر ونسخه في اللجنة الرباعية في زمن عثمان ذي النورين…

وهذا مصعب t الشاب العشريني الذي ترك الثراء والرفاهية ليكون سفيرا لهذا الدين في أرض مهّدها وهيَّأها لاستقبال النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم..

وهذا معاذ بن جبل t الشاب الحكيم، الذي وظّفه النبي في القضاء والفتيا لكفاءته في هذا التخصص وامتدحه النبي ونصح من أراد العلم فيه أن يعود إليه..

وهؤلاء هم القادة الثلاثة الذين تقلدوا قيادة جيش مؤتة وكلهم أبناء العشرين -لم يكملوها بعد- وماتوا في أرض المعركة..

وأما أسامة بن زيد بن حارثة -رضي الله عنهما- كان قائدًا لجيش المسلمين، وذهب بالجيش وعاد دون خسائر أو نقائص، كان عمره أقل من عشـرين سنة!!

وصدق من قال:

شباب ذلّلوا سُبُل المعالي ***** وما عرفوا سوى الإسلام دينًا.

وقد تعَلّم الصحابة رضى الله عنهم والأجيال الواعية من بعدهم هذا الدرس، فوظفوا طاقات الشباب في كل جانب علميا وقياديا …. الخ..

ثالثًا: التربية على المسؤولية لا الاتكالية: فإن الناظر إلى كثير من الشباب اليوم يراهم حتى بلوغ الثلاثين لا يزالوا يعتمدون في الحركة والإنفاق على آبائهم وأمهاتهم..

فأين تحمل المسؤولية؟ وأين القدرة على التعامل مع الحياة؟

هذه الاعتمادية على الغير تقتل كفاءة شبابنا..

ولقد كانت التربية على تحمل المسؤولية محلا لاهتمام القادة والمفكرين عبر تاريخنا.. يتحمل الشاب المسؤولية في تلقي العلم وحسن طلبه كالإمام مالك الذي حركته أمه لتلقي العلم على يد شيخه وكانت تقول لولدها الشاب: خذ عن شيخك الأدب قبل أن تأخذ عنه العلم.. كانوا يتحملون المسؤولية في كل جانب.. فإلى كل أب وأم: أنت مسؤول عن تربية أبنائك على الجدية والإيجابية..

رابعًا: احتواء الشباب عند الخطأ: نعم لا شك أن مرحلة الشباب مظنة للوقوع في الخطأ؛ ففوق أنهم شباب فنحن في زمن الفتن، يحتاج الشاب إلى من يسانده ويحتويه؛ وفي سنة النبي قصة لشاب أراد أن يزني وأن يأخذ رخصة بارتكاب الزنا.. غير النبي احتواه وقرّبه منه؛ وحرك فيه النخوة والشهامة بقوله: أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟ أترضاه لزوجك؟ أترضاه لابنتك؟؟ وهكذا.. حتى وضع النبي يده على صدر الشاب ودعا له: “اللهم اغفر ذنبه، وحصّن فرجه وطهّر قلبه”، وغض بصـره، فخرج الشاب وليس أكره إلى قلبه من الزِّنا..

خامسًا: عقوبة من يعمل على تضييع طاقات الشباب؛ فمن يعتدي عليهم في عقولهم بترويج المخدرات أو ترويج الأفكار المنحرفة يجب أن يعاقب وأن يؤخذ على يديه، ومن يعتدي على سمتهم وهديهم في الحياة فيروّج للموضات التافهة يجب أن يوقف نشاطه التجاري.. وهكذا حماية للثروة الحقيقية في الوطن والأُمّة.

***

شباب الإسلام صنعوا التاريخ:

فإنّا إذا نظرنا إلى الأمة الإسلامية في ماضيها وحاضرها نجدها تستنهض حضارتها وتفوقها وريادتها دائماً وأبداً في همّة شبابها.

انظر إلى حال أصحاب رسول الله الذين رفعوا راية الإسلام.. وصمدوا في المعارك حتى انتشر بهم الدين في ربوع الأرض كلها.. وقد سار على دربهم شباب حرّكوا همم الناس يوم أن غزا الصليبيون والتتار بلاد الإسلام.

شباب صمدوا أمام الفتن فكانوا أساتذة في عفة النفس والاعتصام بالله: وعلى رأسهم نبي الله يوسف عليه السلام.

قادة الجيوش في زمن الرسول كانوا شبابا وعلى رأسهم خالد بن الوليد، وأسامة بن زيد.. وهؤلاء هم قادة مؤتة كانوا شبابا في بداية العشرينات.

قادة الدعوة والتبليغ والإرشاد (مصعب بن عمير، معاذ بن جبل….).

قادة العلم والفكر: زيد بن ثابت وجهوده في تعلم اللغة وكتابة الوحي وجمع القرآن ونسخ القرآن الكريم، وكالشافعي والبخاري.:

ولشباب الأمّة دور كبيرٌ تجاه أوطانهم وأُمَّتِهم، وينبغي توضيحه لنتعلّم ونقتدي بالسابقين؛ عسى الله أن يُخرج من بيننا شابًّا يعمل على عزة هذه الأمة، ويقيم راية هذا الوطن، ويعمل على نصـر هذا الدين، ومن بين الأدوار اللازمة على الشباب ما يأتي:

أن يتعرّف غايته التي من أجلها خلقه الله وأوجده في الحياة. فليعمل على تحقيقها بصورة سليمة وصحيحة، يعبد ربّه في كل زمان، وتحت أيّ ظرف، ويستخدم وسائل العبودية وفقًا لما يرضيه عزّ وجلّ. ومعرفة الغاية أول طريق الالتزام بالدين التزامًا وسطيًّا يجلب الناس للخير..

أن يتفاءل بنصـر الله تعالى وتأييده للأمّة المسلمة. فما فقد شباب الأمة يومًا الثقة في ربّهم، هل تذكر ما كان من صلاح الدين الأيوبيّ حتى فتح الله له بيت المقدس؟

إقامة الإسلام في النفس: بأن يعيش بالإسلام قولا وسلوكًا؛ فيَسْلَم الناس من لسانه ويده، وإذا رآه الناس بهديه وسمته الإسلامي رأوْا الإسلام في شخصيته، فيكون بذلك سببًا في إقامة الإسلام في الأرض. ومن إقامة الإسلام في نفسه: عدم تشبه الذكور بالإناث ولا تشبه الإناث بالذكور في اللباس والألفاظ والحركات.

التحصيل العلمي النافع: نريد من شبابنا أن يُطوّروا من مهاراتهم ويعملوا على تنمية طاقاتهم عبر العلم التخصصـي، والمهارات المكتسبة من دورات تدريبية متخصصة، تحقيقًا لقول الله تعالى: (اقـرأ باسم ربك الذي خلق). فمن برع في مجال تخصصه العلمي (الطب، الصيدلة، الهندسة، الفيزياء، الكيمياء، الجيولوجيا……) فقد خدم أمة حبيبنا محمد r. ونريد مع هذا العلم معرفة بالله تعالى ومخافة من الله.

نشر الخير لا الشرّ من القول والفعل: عن طريق استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة في مرضاة الله تعالى، وقد قال صلى الله عليه وسلّم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو لا يصمت). ساهم أيها الشاب في نشـر ما يرضي مولاك لا ما يغضبه.

حُسْن توظيف طاقات الشباب: يعمل عملا مهنيًّا وحرفيًّا متقنًا ونافعًا له ولمجتمعه، فلا يتعطل ولا يكسل ولا يفتُر ولا يتوانى عن تحقيق ذاته عن طريق العمل والاعتماد على النفس، لا أن يكون عالة على غيره. وليأخذ من رسوله الحبيب قدوة؛ حيث كان يعمل وهو شاب في الرعي والتجارة.

السعي لإصلاح الغير: فمن تلذّذ بالصلاح لا يترك صديقه أو زميله يهوي إلى هاوية الفساد والضلال؛ بل يتحرك بكل ما أوتي من علم وحكمة وفهم في دعوته والأخذ بيده إلى الله تعالى، من منطلق قوله صلى الله عليه وسلّم: (لأن يهدي الله بك” رجلا واحدًا خيرٌ لك من الدنيا وما فيها).

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!